زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري

42

فتح الباقي بشرح ألفية العراقي

وَكَانَ عَلَى دَرَجَة من اليقين بالله وتفويض الأمور إليه ، فروى من حاله أنه قَالَ : ( ( فلما أتممت شرحها - يعني : " البهجة " - غار بَعْض الأقران ، فكتب عَلَى بَعْض نسخ الشرح : كِتَاب الأعمى والبصير ؛ تعريضاً بأني لا أقدر أشرح البهجة وحدي ، وإنما ساعدني فِيهِ رفيق أعمى كنت أطالع أنا وإياه ، قَالَ : فاحتسبت بالله تَعَالَى ، وَلَمْ ألتفت إلى مِثْل ذَلِكَ ) ) ( 1 ) . وَكَانَ من أخلاقه أنه كَانَ صداعاً بالحق ، لَمْ يثنه الخوف عَلَى المنصب أو هيبة سلطان عَنْ زجر الظالم أو إنذار العاصي ، حَتَّى أن الغزي يذكر أن سبب عزله عَنْ القضاء : ( ( بسبب خطه عَلَى السلطان بالظلم ، وزجره عَنْهُ تصريحاً وتعريضاً ) ) ( 2 ) . ( ( ومتع بالقول عَلَى ملازمة العِلْم والعمل ليلاً ونهاراً ، مَعَ مقارنة مئة سنة من عمره من غَيْر كلل ولا ملل ، مَعَ عروض الانكفاف لَهُ ، بحيث شرح البُخَارِيّ جامعاً فِيهِ ملخص عشرة شروح ، وحشَّى تفسير البيضاوي في هذِهِ الحالة ) ) ( 3 ) . والمترجم ممن قاسى مرارة الحرمان وعاش مصاعبها ؛ لذا كَانَ يعرف لوعة المحرومين وضيق ذات يد المعدمين ، فكان كَثِيْر البرِّ بطلبته وتفقد أحوالهم ( 4 ) ، مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من كثرة الصدقة والمبالغة في إخفائها ، وَكَانَ لَهُ جَمَاعَة يرتب لَهُمْ من صدقته مَا يكفيهم إلى يوم وإلى أسبوع وإلى شهر ، وإذا جاءه سائل - بَعْدَ أن أصيب بالعمى - يَقُول لِمَنْ عنده من جماعته : هَلْ هنا أحد ؟ فإن قَالَ لَهُ : لا ، أعطاه ، وإن قَالَ لَهُ : نعم ، قَالَ لَهُ : قل لَهُ : يأتينا في غَيْر هَذَا الوقت ( 5 ) . وَقَدْ أورد الغزي كلمة جامعة في بيان أخلاقه ، فَقَالَ : ( ( وَكَانَ صاحب الترجمة مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ من الاجتهاد في العِلْم اشتغالاً واستعمالاً وإفتاءً وتصنيفاً ومع مَا كَانَ عَلَيْهِ

--> ( 1 ) الكواكب السائرة 1 / 198 . ( 2 ) الكواكب السائرة 1 / 199 . ( 3 ) الكواكب السائرة 1 / 199 . ( 4 ) الكواكب السائرة 1 / 199 . ( 5 ) المصدر السابق 1 / 202 .